وهبة الزحيلي
41
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والجن والأوّلين والآخرين في صعيد واحد ، ثم أشرف عنق من النار على الخلائق ، فأحاط بهم ، ثم ينادي مناد : هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ، اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فحينئذ تجثو الأمم على ركبها ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها [ الحج 22 / 2 ] ، تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى ، وَما هُمْ بِسُكارى ، وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج 22 / 2 ] » . 5 - إن أعضاء الإنسان التي كانت أعوانا في حق نفسه ، صارت عليه شهودا في حق ربّه . والسبب في التعبير بكلام الأيدي وشهادة الأرجل أن اليد مباشرة للعمل ، فتحتاج إلى شهادة غيرها . ومن وقائع الشهادة يوم القيامة أن المشركين قالوا كما حكى القرآن عنهم : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام 6 / 23 ] فيختم اللّه على أفواههم ، حتى تنطق جوارحهم . 6 - لو شاء اللّه لأعمى الكفار عن الهدى ، فلا يبصرون طريقا إلى منازلهم ولا غيرها ، ولكنه لم يفعل رحمة بهم ، وليتمكنوا من النظر الصحيح المؤدي إلى الإيمان باللّه وحده لا شريك له . 7 - ولو شاء اللّه لبدل خلقة الكفار إلى ما هو أقبح منها جزاء على كفرهم ، ولجعلهم حجرا أو جمادا أو بهيمة ، كالقردة والخنازير ، وحينئذ لا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ، ولا يرجعوا وراءهم ، كما أن الجماد لا يتقدم ولا يتأخر ، ولكنه تعالى أيضا لم يفعل ، لرحمته الواسعة . 8 - لا حاجة لإطالة أعمار الناس أكثر مما قدر تعالى لهم ، لأنه كلما طال العمر ازداد الإنسان ضعفا . والمقصود بالآية وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ . . الإخبار عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال ، لا دار دوام واستقرار ، ولهذا قال تعالى في ختام الآية : أَ فَلا يَعْقِلُونَ أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ، ثم